ابن أبي الحديد

41

شرح نهج البلاغة

قالا : نعم ، قال فما دعاكما بعد إلى ما أرى ، قالا : أعطيناك بيعتنا على ألا تقضى الأمور لا تقطعها دوننا ، وأن تستشيرنا في كل أمر ولا تستبد بذلك علينا ، ولنا من الفضل على غيرنا ما قد علمت ، فأنت تقسم القسم وتقطع الامر ، وتمضي الحكم بغير مشاورتنا ولا علمنا . فقال : لقد نقمتما يسيرا ، وأرجأتما كثيرا ، فاستغفرا الله يغفر لكما . ألا تخبرانني ، أدفعتكما عن حق وجب لكما فظلمتكما إياه ؟ قالا : معاذ الله ! قال : فهل استأثرت من هذا المال لنفسي بشئ ؟ قالا : معاذ الله ! قال : أفوقع حكم أو حق لأحد من المسلمين فجهلته أو ضعفت عنه ؟ قالا : معاذ الله ! قال : فما الذي كرهتما من أمري حتى رأيتما خلافي ؟ قالا : خلافك عمر بن الخطاب في القسم ، أنك جعلت حقنا في القسم كحق غيرنا ، وسويت بيننا وبين من لا يماثلنا فيما أفاء الله تعالى علينا بأسيافنا ورماحنا وأوجفنا ( 1 ) عليه بخيلنا ورجلنا ، وظهرت عليه دعوتنا ، وأخذناه قسرا قهرا ، ممن لا يرى الاسلام إلا كرها . فقال : فأما ما ذكرتماه من الاستشارة بكما فوالله ما كانت لي في الولاية رغبة ، ولكنكم دعوتموني إليها ، وجعلتموني عليها ، فخفت أن أردكم فتختلف الأمة ، فلما أفضت إلى نظرت في كتاب الله وسنة رسوله فأمضيت ما دلاني عليه وأتبعته ، ولم أحتج إلى آرائكما فيه ، ولا رأى غيركما ، ولو وقع حكم ليس في كتاب الله بيانه ولا في السنة برهانه ، واحتيج إلى المشاورة فيه لشاورتكما فيه ، وأما القسم والأسوة ، فإن ذلك أمر لم أحكم فيه بادئ بدء ! قد وجدت أنا وأنتما رسول الله صلى الله عليه وآله يحكم بذلك ، وكتاب الله ناطق به ، وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد . وأما قولكما : جعلت فيئنا وما أفاءته سيوفنا ورماحنا ، سواء بيننا وبين غيرنا ، فقديما سبق إلى الاسلام قوم ونصروه بسيوفهم ورماحهم ، فلم يفضلهم رسول الله صلى الله عليه وآله في القسم ، ولا آثرهم بالسبق ، والله

--> ( 1 ) ما أوجفنا : ما أعملنا .